هل القانون يحميك من الذكاء الإصطناعي ؟ المخاطر القانونية وراء الروبوتات والبرمجيات الذكية

تخيّل أنك تستيقظ ذات صباح على خبر غريب: سيارة ذاتية القيادة صدمت أحد المارة في شارع مكتظ. الشرطة تبحث الآن عن المسؤول، لكن السائق لم يكن بشرًا، بل برنامجًا معقدًا يعمل بالذكاء الاصطناعي. والسؤال الذي يطرح نفسه فورًا: من يتحمل المسؤولية القانونية؟ الشركة المصنعة؟ المبرمج الذي كتب الكود؟ أم مالك السيارة الذي لم يلمس المقود أصلًا؟


هنا يظهر التحدي الأكبر: القانون وُضع في زمن الإنسان، بينما الواقع الجديد يقوده الذكاء الاصطناعي. نحن أمام عالم لم يعد فيه الفاعل البشري هو الوحيد الذي يمكن تحميله المسؤولية، بل باتت الخوارزميات وأنظمة التعلم الآلي جزءًا من القرارات التي قد تؤثر في حياتنا اليومية بشكل كبير، أحيانًا بشكل مميت.


القانون تقليديًا يحاسب الفاعل، والشخص المسؤول غالبًا واضح: مجرم، موظف مهمل، أو شركة قصّرت في التزاماتها. لكن ماذا لو كان الفاعل مجرد خوارزمية؟ هل نعامله كإنسان له نية وإرادة؟ أم كأداة يتحمل صاحبها العواقب؟ هذه الأسئلة لم تعد رفاهًا فكريًا، بل قضايا حقيقية أمام المحاكم في دول متقدمة، وما زالت تبحث لها عن إجابات.


في أوروبا على سبيل المثال، ظهرت قضايا تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في التمييز الوظيفي. أنظمة التوظيف الآلية استبعدت مئات المتقدمين من جنسية أو عرق محدد دون أن يكون هناك شخص بشري وراء القرار. الضحية تظن أن شخصًا ما مارس التمييز، لكنها تكتشف لاحقًا أن الجاني برنامج تعلّم على بيانات منحازة. فهل يُحاسب البرنامج؟ بالطبع لا، القانون يعيد المسؤولية للشركة المالكة، لكن الصعوبة تكمن في إثبات الخطأ: أين الخطأ بالضبط؟ هل هو في الكود؟ هل في البيانات التي تغذى بها الخوارزمية؟ أم في غياب الرقابة البشرية الكافية؟


أما في عالمنا العربي، فالوضع أكثر تعقيدًا. الذكاء الاصطناعي دخل في تطبيقات يومية: من تشخيص الأمراض الطبية إلى البنوك الرقمية، ومن التسويق عبر الإنترنت إلى خدمات النقل الذكية. لكن القوانين غالبًا لا تزال في مرحلة عامة تتحدث عن "الجرائم الإلكترونية" أو "حماية البيانات" دون تفاصيل دقيقة عن مسؤولية الذكاء الاصطناعي. فإذا حدث خطأ طبي بسبب برنامج تشخيص خاطئ، قد يُعتبر الطبيب مسؤولًا لأنه اعتمد على البرنامج، حتى لو لم يكن له يد مباشرة في النتيجة.


المعضلة الأخطر هي الخصوصية. تخيل أن تطبيقًا للذكاء الاصطناعي يجمع صورك وبياناتك الصوتية من الإنترنت ليصنع نسخة رقمية منك دون إذنك. هذا يحدث بالفعل عبر تقنيات "التزييف العميق" أو ما يُعرف بالـ Deepfake. شخص ما قد يستخدم صورتك في محتوى مسيء أو يضع كلمات على لسانك لم تقلها. في هذه اللحظة، تتساءل: هل القانون يحميني؟ الجواب نعم… لكنه ليس دائمًا بالسرعة والكفاءة التي تتوقعها. فالقوانين الحديثة في بعض الدول تجرّم استخدام صور الآخرين دون إذن، لكن المجرمين غالبًا مجهولون أو خارج حدود الدولة، ما يجعل ملاحقتهم صعبة.


إحدى الحالات الواقعية في الولايات المتحدة على سبيل المثال، كانت حين انتشر مقطع فيديو مزيف لرجل أعمال معروف وهو يدلي بتصريحات مسيئة، ما تسبب في خسائر مالية فورية لشركته. القانون الأمريكي استند إلى قوانين التشهير وحماية البيانات، لكن الوقت الذي استغرقته المحاكمات الطويلة جعل الضرر المالي والاجتماعي لا يُعوّض بالكامل. هذه التجربة تبيّن أن القانون وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون مصحوبًا بالتقنية والرقابة المبكرة.


المثير في كل هذا أن الذكاء الاصطناعي لا يعرف الخير من الشر، ولا يملك ضميرًا أو نوايا. هو فقط يعكس ما يُغذى به من بيانات. إذا كانت البيانات ناقصة أو منحازة، فالنتيجة كارثية. ومع ذلك، القانون مطالب بأن يعامل هذه "الآلة الذكية" كفاعل محتمل، وإن كان بلا وعي أو إدراك. لهذا نسمع اليوم مقترحات عالمية لإصدار "تشريعات الذكاء الاصطناعي"، بعضها يمنح الشركات التزامات صارمة بالشفافية، وبعضها الآخر يفرض أن تظل هناك دومًا "مسؤولية بشرية" وراء كل قرار يتخذه برنامج ذكي.


في السعودية مثلًا، بدأت هيئة الذكاء الاصطناعي في وضع أطر تنظيمية للتأكد من أن الابتكارات الرقمية لا تتحول إلى تهديد للناس. هناك جهود لتقنين حماية البيانات الشخصية وتقييد استخدامها دون إذن، وهي خطوة مهمة نحو ضمان ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للابتزاز أو التلاعب. لكن يظل الطريق طويلًا حتى يصبح لدينا قوانين شاملة تغطي كل جوانب هذا المجال.


القارئ العادي قد يتساءل: لماذا يهمني كل هذا؟ الجواب بسيط. لأنك تستخدم الذكاء الاصطناعي يوميًا دون أن تدري: عندما تتلقى إعلانًا مستهدفًا على فيسبوك، أو عندما يرفض البنك طلبك للقرض بناءً على تحليل آلي، أو عندما يوصيك تطبيق طبي بفحص عاجل بناءً على أعراض بسيطة أدخلتها. في كل هذه اللحظات، هناك قرار آلي يمس حياتك، وقد يكون مصيريًا.


لنأخذ مثالًا آخر من الحياة اليومية: تخيل أن نظام ذكاء اصطناعي يحدد الأهلية للحصول على قرض عقاري. إذا كانت البيانات التي يغذيها النظام ناقصة أو متحيزة ضد فئة معينة، فقد تُرفض طلبات أشخاص مستحقين ببساطة. حينها، من المسؤول؟ هل البنك الذي اعتمد على النظام؟ هل الشركة المطورة للبرنامج؟ أم القانون نفسه الذي لم يواكب هذه التحديات؟


في السياق الأمني، الوضع أكثر حساسية. السيارات ذاتية القيادة والروبوتات المستخدمة في المراقبة أو الأمن تعتمد على برامج الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات سريعة. أي خطأ يمكن أن يسبب خسائر بشرية أو مادية جسيمة. هنا يظهر التحدي: القانون يجب أن يوازن بين حماية الإنسان ومنع الأضرار وبين تشجيع الابتكار وعدم خنق التقنيات الجديدة قبل أن تثبت جدواها.


القانون إذن ليس رفاهية، بل هو خط الدفاع الأخير ليضمن أن التكنولوجيا تخدم الإنسان لا أن تستعبده. إذا تُرك الذكاء الاصطناعي بلا ضوابط، قد نجد أنفسنا في عالم تقرر فيه الخوارزميات مصير الناس بلا شفافية ولا رحمة. وإذا بالغنا في تقييده، قد نقتل الابتكار ونحرم أنفسنا من فوائده.


لذلك، الحل هو التوازن: قوانين مرنة تتيح التطوير، لكنها في نفس الوقت تضع حدودًا واضحة للمسؤولية. فلا مجال لبرنامج يتسبب في كارثة ثم يختفي خلف ستار "الذكاء الاصطناعي". لا بد أن يكون هناك دائمًا إنسان أو شركة تحاسب أمام القانون.


إضافة إلى ذلك، هناك جانب أخلاقي يجب أخذه في الاعتبار. كيف نضمن أن الذكاء الاصطناعي يحترم القيم الإنسانية؟ هل يمكن وضع "مدونة سلوك رقمية" للآلات؟ هذه الأسئلة بدأت تُناقش على نطاق واسع بين القانونيين والمبرمجين والمفكرين التقنيين. بعض الدول تقدم تدريبًا إلزاميًا للمهندسين على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بينما تضع أخرى عقوبات صارمة على إساءة استخدام التكنولوجيا.


في الصين، على سبيل المثال، تم وضع لوائح صارمة تحظر استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي للتأثير على الانتخابات أو التلاعب بالرأي العام. هذه الخطوة تؤكد أن القانون يمكن أن يكون أداة فاعلة إذا صاحبه تنظيم ومتابعة دقيقة، لكن التنفيذ يبقى التحدي الأكبر.


في أوروبا، الاتحاد الأوروبي قدم ما يُعرف بـ "قانون الذكاء الاصطناعي" (AI Act) الذي يقسم الأنظمة إلى مستويات خطورة، مع فرض التزامات صارمة على الشركات في حال كانت الأنظمة تشكل خطرًا على حقوق الإنسان أو الخصوصية. هذه التجربة الأوروبية تمثل نموذجًا يمكن الاقتداء به عالميًا، خاصة للدول العربية التي لم تضع بعد تشريعات واضحة.


في النهاية، السؤال "هل القانون يحميك من الذكاء الاصطناعي؟" لا يُجاب عنه بنعم أو لا. بل نقول: القانون يحاول أن يلاحق سرعة التطور، وأحيانًا ينجح وأحيانًا يتأخر. لكن اليقين أن حماية الناس من مخاطر هذه التكنولوجيا باتت ضرورة، وإلا سنجد أنفسنا نعيش في عالم تتحكم فيه الآلات بلا رادع، بينما يظل الإنسان مجرد متفرج على مصيره.


الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا، لكنه انعكاس لمجتمعاتنا، وللبيانات التي نغذيها به. إذا كنا نغذي النظام بالتحيز، بالتكهنات الخاطئة، أو المعلومات غير الدقيقة، فسوف نتحمل العواقب جميعًا. هنا يظهر دور القانون مرة أخرى، ليس فقط لمعاقبة المخطئ، بل لتحديد المعايير التي يجب أن يتبعها كل من يستخدم الذكاء الاصطناعي، سواء الشركات أو الأفراد، بحيث تبقى التكنولوجيا أداة مساعدة لا خطرًا يهدد الجميع.


ختامًا، يمكننا القول: الذكاء الاصطناعي سيستمر في النمو والتأثير على حياتنا بشكل متزايد، والقوانين يجب أن تنمو معه بنفس الوتيرة. كل منا بحاجة إلى فهم هذه العلاقة بين الإنسان والآلة، لأن تجاهلها قد يجعلنا نفيق يومًا على كارثة كان يمكن تفاديها لو أن هناك ضوابط واضحة ومحاسبة حقيقية للمسؤولين عن الأخطاء الرقمية. المستقبل لا يرحم الضعفاء، والآلة بلا قوانين قادرة على اتخاذ قرارات، قد تجعل الإنسان ضعيفًا أمام اختياراتها.  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يمكن لغياب القانون أن يحوّل حياة الناس إلى فوضى؟ – قصة حقيقية مليئة بالعِبر

كيف تكتب عقداً قانونياً صحيحاً: دليل عملي مبسط

قوة العقل اللاواعي: القصة التي هزّت العقول