لماذا دراسة القانون ليست مجرد حفظ للنصوص؟ اكتشف الحقيقة

في واقعنا الحالي حيث اصبحت المعلومات تتدفق  من كل حدب وصوب كالسيل الجارف، أصبح من السهل أن تتشكل انطباعات خاطئة عن بعض التخصصات الأكاديمية. ومن بين هذه التخصصات، يبرز القانون كمجال يُنظر إليه غالبًا على أنه عملية آلية بحتة لحفظ النصوص والمواد القانونية. وحقيقة امثال هؤلاء الأشخاص لا يلامون لانهم يشاهدون طالب الحقوق جالسًا في مكتبة جامعية، محاطًا بكومة من الكتب الضخمة مثل "المدونة الجنائية" أو "القانون المدني"، يكرر الفقرات والبنود كأنه جهاز تسجيل قديم، دون أي عمق فكري أو إبداع. هذا التصور النمطي لم يأتِ من فراغ؛ فقد ساهمت الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، مثل "Suits" و"Law & Order"، في ترسيخه، حيث يظهر المحامي أو القاضي كبطل خارق يعتمد على ذاكرته الفولاذية لاستحضار النصوص في لحظات حاسمة. لكن، هل هذه الصورة تعكس الحقيقة كاملة؟ بالطبع لا. في الواقع، هناك جانب أعمق وأكثر أهمية يتجاهله هذا التبسيط الا وهو: ان دراسة القانون قائمة على الفهم قبل كل شيء، وليس على الحفظ فقط.

في هذا المقال الشامل، سنتناول هذا الموضوع محاولا ان اصحح بعض المفاهيم المغلوطة للطلاب الجدد وللمجتمع الخارجي، مستكشفين أسبابه المختلفة من الإعلام إلى أساليب التعليم التقليدية. وسنكشف عن أهمية الفهم كأساس حقيقي للتعلم القانوني، مع تقديم أمثلة عملية من الحياة اليومية وقضايا عالمية شهيرة. سنناقش أيضًا كيف يمكن للفهم أن يؤثر إيجابيًا على حياتك المهنية، سواء كنت طالبًا أو محترفًا، وسنقدم نصائح عملية لتحويل دراستك القانونية إلى تجربة ممتعة ومثمرة. الهدف هنا هو تقديم فائدة حقيقية تجعل القانون أكثر إثارة وتشويقًا، عزيزي القارئ، سواء كنت طالب حقوق في بداية مشوارك، أو محاميًا يسعى لتحسين مهاراته، أو حتى شخصًا مهتمًا بفهم كيفية عمل النظام القانوني في الاجهزة العدلية. 



من أين يأتي الاعتقاد بأن القانون يعتمد على الحفظ؟

يبدأ هذا الاعتقاد الشائع من نظرة سطحية لطريقة دراسة القانون في الجامعات. غالبًا ما نرى طلاب الحقوق يقضون ساعات طويلة في المكتبات، محاطين بكتب ضخمة تحمل عناوين مثل "القانون الدستوري" أو "أصول المحاكمات الجنائية". خاصة في فترات الامتحانات،وحينها يتحول التركيز إلى استذكار المواد القانونية، حيث يحاول الطلاب حفظ مئات الفقرات والمواد لتجنب الرسوب. هذا المشهد يعزز الانطباع بأن التخصص لا يتطلب سوى ذاكرة قوية قادرة على تخزين المعلومات كما يخزن الحاسوب البيانات، علما انك كطالب قانون يمكنك النجاح بدون الحفظ.

على منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك أو ريديت، نجد طلاب الحقوق يشتكون من صعوبة حفظ نصوص مثل "المادة ٤٢ من القانون التجاري" أو "الفقرة الثالثة من قانون العقوبات". على سبيل المثال، في إحدى مجموعات ريديت المخصصة لطلاب الحقوق، كتب أحد الطلاب: "أقضي ليالٍ كاملة أحفظ النصوص، لكنني أنساها بعد الامتحان مباشرة". هذا الشعور يعكس الصورة النمطية، لكنه لا يعكس الحقيقة الكاملة. ان الحفظ هو مجرد مرحلة أولية، وسيلة للوصول إلى الفهم، وليس الهدف النهائي. كما علق طالب آخر في منشور مشابه: "الحفظ مهم، لكنه غير كافٍ دون فهم حقيقي للمادة. إنه مثل حفظ جدول الضرب دون معرفة كيفية الحساب".

دور الإعلام لا يمكن إغفاله في تعزيز هذه الصورة الخاطئة. في الأفلام مثل "The Firm" بطولة توم كروز، أو مسلسل "Boston Legal"، يُصور المحامون كأنهم آلات حفظ بشرية، يستدعون النصوص في المحكمة كالسحر. هذه الصورة تجعل الجمهور يعتقد أن النجاح في القانون يعتمد على الذاكرة فقط. لكن الواقع مختلف تمامًا. دراسة القانون ترتكز على التحليل والتطبيق، وليس الحفظ الأعمى. كما قال الكاتب القانوني جون غريشام: "التعليم القانوني الحقيقي يعلمك كيف تفكر، لا كيف تحفظ". جزء من المشكلة يكمن أيضًا في نظرة البعض إلى القانون كعلم ثابت وجامد، بينما هو في الحقيقة ديناميكي، يتطور مع المجتمع، ويتطلب تفاعلاً ذهنيًا مستمرًا. هذا الفهم الخاطئ يجعل دراسة القانون تبدو صعبة ومملة للكثيرين، رغم أنها في جوهرها عملية إبداعية تحتاج إلى تفكير نقدي وتحليلي. من يفهم كيف يدرس القانون، يجد فيه متعة لا حدود لها، كأن يحل لغزًا معقدًا في قضية جنائية أو يصوغ عقدًا يحمي حقوق موكله.

من تجربتي الشخصية كطالب سابق في كلية الحقوق، لم أعتمد يومًا على الحفظ الحرفي. خلال سنوات دراستي، لم أحفظ نصًا واحدًا بشكل كامل، بل اعتمدت على استراتيجيات فهم مبتكرة. كنت أستخدم الخرائط الذهنية لربط المفاهيم، وأربط كل مادة قانونية بحالة واقعية. على سبيل المثال، عند دراسة قانون العقود، لم أحفظ تعريف العقد، بل فهمت كيف يعمل كاتفاق إرادي من خلال تخيل سيناريوهات مثل بيع سيارة مستعملة تحتوي على عيوب مخفية. هذا النهج وفر عليّ الكثير من الوقت، وجعل الدراسة تجربة ممتعة تشبه حل الألغاز.


الفهم: الأساس الخفي لدراسة القانون

بعيدًا عن الانطباعات السطحية، يؤكد التربويون والمختصون في التعليم القانوني أن الفهم هو حجر الزاوية في دراسة القانون. القانون يا عزيزي  ليس مجرد نصوص مكتوبة في كتب قديمة، بل هو نظام متكامل يعتمد على تفسير الوقائع وتطبيق المبادئ على الحالات الواقعية. في كليات الحقوق الرائدة مثل جامعة هارفارد، أكسفورد، أو حتى جامعة القاهرة، تُصمم المناهج لتعليم الطلاب كيفية استيعاب المفاهيم الأساسية - مثل مبادئ العقد، المسؤولية المدنية، أو حقوق الإنسان - وتطبيقها في سياقات عملية من خلال دراسات حالة (Case Studies) أو محاكمات صورية (Moot Courts). ومصداق ذلك بالنسبة لي ما ساعدني في فهم القانون وحبه هو المحاكمات الصورية واذكر اني في احد المحاكمات عندما وصلت لذروة فهم القانون الجنائي مثلت دور قاضيا في قضية جنائية كانت احداثها في السودان وكانت حيثياتها انه عُثر على شخص في احد المصانع  مقتول، ولا يوجد احد حول الجثة ولا أدوات في مسرح الجريمة والمكان خالي تماما، لكن مع الفهم العميق للنصوص قدرت على إكتشاف الجاني.

وكما يقول ايضا في هذا الموضوع، أستاذ القانون الشهير أوليفر ويندل هولمز: "الفهم يبني معرفة دائمة، بينما الحفظ مؤقت وزائل". الفهم لا يقتصر على تسهيل التعلم، بل يطور قدرة الطالب على التحليل والربط بين الأفكار. ففي القانون الجنائي، على سبيل المثال، لا يكفي أن تحفظ تعريف الجريمة وعقوبتها، بل يجب أن تفهم الظروف والدوافع والسياق الذي وقعت فيه. تخيل نقسك امام قضية قتل: هل كانت الجريمة بدافع الدفاع عن النفس؟ هل كان هناك ضغط نفسي؟ هذه الأسئلة تتطلب فهمًا عميقًا للنص القانوني وسياقه، وليس مجرد تكراره وإذا طبقت النص كما هو في هذه مثل هذه الجرائم فاعلم انك وقعت في خطأ فادح وظلمت شخصا قد يكون بريئا.

أحد المشاركين على منصة إكس كتب: "أصول الفقه والفقه المقارن يساعدان في فهم روح النص وليس حرفه فقط". هذا الفهم يمكن الطالب من مواجهة قضايا العصر المعقدة، مثل الجرائم الإلكترونية، حقوق الملكية الرقمية، أو النزاعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، في قضية "Cambridge Analytica" الشهيرة، لم يكن الحفظ كافيًا للتعامل مع انتهاكات الخصوصية، بل كان الفهم العميق لقوانين حماية البيانات مثل GDPR هو الذي ساعد في بناء الحجج القانونية.

الفهم يلعب أيضًا دورًا حيويًا في الممارسة المهنية. المحامي الناجح لا يردد النصوص، بل يحللها ويكيفها مع خصوصية كل قضية. في دراسة لجمعية المحامين الأمريكية (ABA) أظهرت أن التعلم القائم على التجربة والتحليل النقدي يزيد من معدلات الفوز في القضايا بنسبة تصل إلى 30%. كما قال أحد الممارسين في سلسلة تغريدات على إكس: "القانون فن يجمع بين المعرفة والفهم، ويخلق عالمًا من الحلول والعدالة". الفهم يحول القانون من أداة جامدة إلى سلاح مرن يساعد في تحقيق العدالة الاجتماعية، كما رأينا في حركات حقوق المدنيين في الستينيات أو قضايا المساواة بين الجنسين في العصر الحديث.


ما الفرق بين الحفظ والفهم؟ كشف الخرافات الشائعة

من الضروري أن نفرق بوضوح بين الحفظ والفهم، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى إساءة تقدير طبيعة العلم القانوني. الحفظ هو عملية ميكانيكية تركز على تكرار النصوص لاسترجاعها مؤقتًا، بينما الفهم هو عملية إبداعية تتضمن استيعاب المعاني العميقة وربطها بالواقع، وفي بعض الأحيان يمكنك تعريف المعنى المراد بصورة افضل من صاحب التعريف الاصلي. من الخرافات المنتشرة: "أن دراسة القانون تحتاج ذاكرة قوية مثل الذاكرة الصوتية". لكن الحقيقة أن الفهم العميق هو الذي يسهل استرجاع المعلومات وتطبيقها. الحفظ دون فهم يشبه بناء منزل على أساس رملي: قد ينهار عند أول اختبار حقيقي.

خرافة أخرى: "المحامي الناجح هو من يحفظ معظم القوانين". لكن الواقع يقول إن النجاح يعتمد على القدرة على التكيف مع المستجدات، مثل التعديلات القانونية السنوية أو القضايا الناشئة عن التكنولوجيا. في التعليم الحديث، يركز المعلمون على "التعلم المفاهيمي"، حيث يسبق الفهم الحفظ لتجنب الأخطاء في التطبيق المهني. على سبيل المثال، في قضية سرقة، لن ينفع حفظ النص القانوني وحده، بل يجب فهم الظروف المحيطة مثل الفقر أو الضغط النفسي، والتي قد تغير الحكم من السجن إلى البراءة. كما كتب أحد المدونين القانونيين: "التوقف عن الحفظ والبدء في الفهم هو أول طريقك إلى الاحتراف". في أغلب القضايا، يميل القضاء إلى تطبيق روح القانون وليس حرفه. على الصعيد الشخصي كان احد اساتذتي الأجلاء قبل ان يشرع في ذكر النص يسأل سؤالا يدور حول النص ويسألنا عن رأينا ومع دمج الآراء يتشكل لنا جميعا النص المكتوب ونجد انفسنا حفظنا النص بدون ان نرى النص (من منبري هذا اشكره جزيل الشكر، د.مكاوي الخضر).


أمثلة من أرض الواقع

لنلقِ نظرة على أمثلة واقعية توضح أهمية الفهم في القانون. في كتاب "فهم النص الشرعي" للمؤلف محمد أبو زهرة، يشرح كيف أن الفهم الخاطئ للنصوص الشرعية قد يؤدي إلى أحكام جائرة، مثل تفسير خاطئ لقوانين الإرث يؤثر على حقوق المرأة. وفي منشور على إكس، كتب أحد المتخصصين: "فهم نظرية العقد هو ما يمكنك من صياغة عقد سليم، وليس حفظ نماذج جاهزة". وأضاف آخر: "الدلالات اللغوية والسياق التاريخي عنصران حيويان في تفسير النصوص القانونية".

من الأدب، نجد مثالًا شهيرًا في رواية "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، حيث يظهر كيف أن سوء الفهم بين أطراف القضية يمكن أن يحولها إلى مأساة اجتماعية. في العالم الغربي، قضية "Enron" الشهيرة تُظهر كيف أدى سوء فهم القوانين المالية إلى انهيار اقتصادي كارثي. وفي العالم العربي، خلال "الربيع العربي"، كان الفهم العميق لقوانين الحريات هو الذي ساعد تونس على صياغة دستور ديمقراطي جديد، بينما أدى الاعتماد على الحفظ فقط إلى فوضى في دول أخرى. هذه الأمثلة تجعل القانون أقرب إلى الحياة، وتظهر كيف يمكن للفهم أن يغير مجرى التاريخ.


كيف تستفيد من الفهم في حياتك المهنية؟

الفهم العميق يمنحك ميزة تنافسية كبيرة في سوق العمل. المحامي الذي يفهم أصول القانون يستطيع بناء حجج متينة، وليس مجرد تكرار للنصوص. في احد البحوث من جامعة ييل أظهرت أن الفهم يعزز مهارات أساسية مثل الصياغة القانونية، التفاوض، وحل المشكلات الإبداعي. كما كتب أحد المستخدمين على إكس: "ان الفهم يحول القانون من مادة جافة إلى أداة مرنة للوصول إلى الحلول".

الفهم يساعد أيضًا على التكيف مع التغيرات التشريعية، خاصة في عصر التطور الرقمي. قوانين مثل GDPR أو قوانين الذكاء الاصطناعي تتطلب فهمًا عميقًا للتعامل مع تعقيداتها. الخبراء يجمعون على أن الفهم هو ما يبني ثقة الجمهور في النظام القضائي، ويزيد من فرص التوظيف في مكاتب المحاماة الكبرى أو المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة.


نصائح عملية لتعتمد على الفهم في دراستك

لبناء فهم حقيقي للقانون، جرب هذه النصائح العملية:

  1. القراءة التحليلية: بدلًا من القراءة السريعة، اسأل نفسك: "لماذا وُضع هذا النص؟" و"كيف يُطبق في الواقع؟".

  2. الانخراط في النقاشات: انضم إلى حلقات نقاش أو مجموعات دراسة لتبادل الأفكار.

  3. ربط المفاهيم بالواقع: استخدم قضايا سابقة مثل "Brown v. Board of Education" لفهم حقوق الإنسان.

  4. تعلم أصول الفقه والقانون المقارن: هذان المجالان مفتاح فهم النصوص.

  5. الكتابة والتلخيص: اكتب ملخصاتك الخاصة لترسيخ المفاهيم.

  6. استخدام التكنولوجيا: جرب تطبيقات مثل Anki لربط المفاهيم، أو شاهد فيديوهات TED Talks عن القانون.


وجه الشبه بين دراسة القانون ودراسة الطب البشري

السؤال المطروح في نهاية المقال هو: ما وجه الشبه بين دراسة القانون ودراسة الطب البشري؟ الإجابة تكمن في أن كلا التخصصين يعتمدان على الفهم العميق كأساس للتطبيق العملي، وليس الحفظ فقط. في الطب، لا يكفي حفظ أعراض المرض، بل يجب فهم الأسباب والسياق لتشخيص الحالة بدقة. وبالمثل، في القانون، لا يكفي حفظ النصوص، بل يجب فهم السياق والروح القانونية لتطبيقها بشكل عادل. كلا المجالين يتطلبان تفكيرًا نقديًا وتحليليًا لمواجهة التحديات المعقدة، سواء كانت إنقاذ حياة أو تحقيق العدالة.


خاتمة: لنغير نظرتنا عن القانون

في الختام، الاعتقاد بأن دراسة القانون مجرد عملية حفظ هو تبسيط يخفي وراءه عالمًا من الإبداع والعمق. الفهم هو الجسر الذي يعبر بك من عالم التلقين إلى عالم الإبداع القانوني والمساهمة في إقامة العدل. فلننظر إلى القانون كرحلة فكرية مشوقة، وليس عبئًا على الأكتاف. القانون حياة وروح، وفيه لذة لا يعرفها إلا من جربها.

سؤال المقال: ما هو وجه الشبه بين دراسة القانون ودراسة الطب البشري في رأيك؟
شاركنا بإجابتك...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ليست مجرد شهادة.. رحلة التحول إلى قانوني : دليلك الشامل من لحظة القبول إلى قاعة المحكمة

كيف يمكن لغياب القانون أن يحوّل حياة الناس إلى فوضى؟ – قصة حقيقية مليئة بالعِبر

كيف تكتب عقداً قانونياً صحيحاً: دليل عملي مبسط